كارل بروكلمان
107
تاريخ الأدب العربي
ثلاثة أيام ورجع إلى البصرة للقراءة والتصنيف . وكان الجاحظ معتزليّا تتلمذ على إبراهيم النظام ، واشتهر كلامه بين المعتزلة فانتسب بعضهم إليه ، وهم : الجاحظية ، وطار صيت تصانيفه في الدنيا . وأصابه الفالج وقد نيف على التسعين ؛ وكان بعض البرامكة قد تقلد السند ثم صرف عنها ، فبلغه في طريق عودته إلى العراق أن الجاحظ عليل ، فأحب أن يراه قبل وفاته وزاره في مرضه « 1 » . وكانت وفاة الجاحظ في شهر المحرم سنة 255 ه / 868 - 869 م . وكان مقصد الجاحظ من مزاولة الكتابة والتصنيف هو التسلية والمسامرة أكثر من الإفادة والتعليم . وقد صرح هو نفسه كثيرا عن ذلك « 2 » . كما أنه في أول عهده بالتصنيف كان يطلب رواجا لكتبه فينسبها إلى بعض العلماء المشهورين ، على ما حكاه أيضا في بعض رسائله « 3 » . ولما اشتهر أمر الجاحظ وانتشر ذكره كان يعرض كتبه في أحسن صورة لئلا يستثقل الناس قراءتها ، والناس إنما يطلبون اللذة والمتعة أكثر من التعلم والاستفادة « 4 » . وقد تفنن الجاحظ في شتى فنون العلم ، وتناول أيضا مباحث الطبيعة والأحياء ، وأجرى بنفسه تجارب في هذه المباحث ، وإن اشتهر أنه يعتمد في ذلك على ما يستقيه من الكتب فحسب . وقد حاول المستشرق : براون « 5 » أن ينقذ كرامة الجاحظ العلمية باعتباره باحثا طبيعيّا فنبه على ما ذكره في كتاب الحيوان على أساس ملاحظته الخاصة ، من أن النمل تأخذ من الحب الذي تدخره للشتاء جزء الإنبات والتناسل لئلا يفسد ويتعفن « 6 » . وهذه حقيقة صحيحة ،
--> ( 1 ) انظر زهر الآداب للحصرى 2 : 97 - 98 . ( 2 ) كما في كتاب الحيوان 5 : 51 . ( 3 ) انظر رسالة الجاحظ في العداوة والحسد ( سيأتي ذكرها في مصنفاته ) ، وانظر أيضا : vanvloten , lelivredebeautes , pref . , xiv . 2 . ( 4 ) انظر كتاب الحيوان 5 : 51 . ( 5 ) انظر : e . g . browne , aliterary History ofpersiaiv , 440 . ( 6 ) انظر كتاب الحيوان 4 : 2 - 11 .